كارستن نيبور
52
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية
الرحلة من الإسكندرية إلى القاهرة يسلك الأوروبيون ، الذين نشروا أخبار رحلاتهم من الإسكندرية إلى القاهرة ، الطريق نفسه ، فيقصدون رشيد أولا ثم ينتقلون إلى القاهرة ، مبحرين نحو عالية النيل ، وكنا نودّ السفر برا لرؤية المناطق المصرية التي لا تزال مجهولة . لكننا نعلم مما تقدّم أن العرب الرحّل يجعلون هذه الرحلة مستحيلة ، إلّا إذا كنا لا نكترث إن تعرّضنا للنهب . وهذا ما عانى منه لاحقا أحد رفاقنا ، وهو السيد فورسكال الذي أراد التوجه من القاهرة إلى الإسكندرية برا ، فأجبر على إعطاء اللصوص الأعراب كل ما يملك . ولم يعيدوا إليه سوى ثيابه الداخلية . استأجرنا مركبا صغيرا للتوجه من الإسكندرية إلى رشيد ، وغادرنا المدينة في 31 تشرين الأول / أكتوبر ، لكن الرياح المعاكسة لم تسمح لنا بالتقدم كثيرا ، فتوقفنا في أبوقير ( Abukir ) على بعد أربعة فراسخ من الإسكندرية . ويوجد هنا خليج ، ترسو فيه السفن التي لا تستطيع الوصول إلى مرفأ الإسكندرية ، فضلا عن حصن صغير فيه بعض الجنود قرب القرية . ثم في 11 تشرين الثاني / نوفمبر ، كانت الرياح ما تزال معاكسة ، مما دفع رفاقي إلى الانضمام إلى بعض الأتراك الذين انتظروا الرياح المواتية طويلا ، ومتابعة الطريق عبر البرّ ، فاستأجروا زورقا صغيرا لعبور بحيرة تصب فيها مياه النيل وتصب هي في البحر المتوسط ، ثم اجتازوا منطقة رملية على ظهور الجياد والحمير ، ولم يجدوا فيها ما يلفت الانتباه سوى عشرة إلى اثني عشر عمودا حجريا ، تدل على الطريق حتى رشيد . وعلى الرغم من ذلك ، لم يصلوا قبلي بكثير ، فقد هبت رياح مواتية ، ووصلت إلى المدينة في 2 تشرين الثاني / نوفمبر . إن الطريق من الإسكندرية إلى رشيد خطيرة جدا في الشتاء ، إذ يغرق العديد من السفن في مصب النيل . وبالرغم من أن منسوب المياه في النهر لم ينخفض كثيرا ، فاعتذر قبطاننا قائلا إن مجرى النهر يتغيّر غالبا في هذا المكان . ولا خوف على المصريين من هجوم سفن معادية عبر ساعد النهر هذا ، ولذا أعتقد أنّ المصريين ، تركوا الحصون المحيطة تتداعى . لكن ، بقي حصن على الضفة الغربية للنيل بين المصب ورشيد ، وهو حصن قديم وعال ، إنما مهجور كليا ، ولا يلفت الأنظار فيه سوى بعض الكتابات العربية وبعض المدافع الحديدية القديمة ، كما نجد حصنا صغيرا ، غير جدير بالاهتمام ، على الضفة الشرقية للنهر . واشتهرت مدينة رشيد ، أو روزويت كما يقول الأوروبيون ، في تاريخ شبه الجزيرة العربية منذ القدم ، لكن يبدو أنها ازدهرت بعد تراجع التجارة في مدينة فوه الواقعة على النيل نحو الشمال . وهي اليوم مخزن للبضائع التي تنقل من القاهرة إلى الإسكندرية إلى القاهرة ، لأن السفن الآتية من